الغزالي
104
إحياء علوم الدين
( نحن قدّرنا بينكم الموت ) وبين قوله وأنا أكره مساءته ولكن إيضاح الحق في هذا ، يستدعى تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة ، وبيان حقائقها . فان السابق إلى الافهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم ، وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ، ما بين ذاته العزيز وذاتهم . وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض ، وذات الله مقدس عنه ، ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض ، الجوهر والعرض ، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق . وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ، ووراءه سر القدر الذي منع من افشائه فلنقصر عن ذكره ، ولنقتصر على ما نبهنا عليه ، من الفرق بين الاقدام على النكاح والاحجام عنه . قان فان أحدهما مضيع نسلا أدام الله وجوده من آدم صلَّى الله عليه وسلم عقبا بعد عقب إلى أن انتهى إليه ، فلممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه ، فمات أبتر لا عقب له . ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة ، لما قال معاذ في الطاعون : زوّجونى لا ألقي الله عزبا . فان قلت : فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت ، فما وجه رغبته فيه ؟ فأقول الولد يحصل بالوقاع ، ويحصل الوقاع بباعث الشهوة ، وذلك أمر لا يدخل في الاختيار . انما المعلق باختيار العبد ، إحضار المحرك للشهوة ، وذلك متوقع في كل حال ، فمن عقد فقد أدى ما عليه ، وفعل ما إليه ، والباقي خارج عن اختياره . ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا ، فان نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها ، حتى أن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد ، لا ينقطع الاستحباب أيضا في حقه على الوجه الذي يستحب للاصلع إمرار الموسى على رأسه افتداء بغيره ، وتشبها بالسلف الصالحين ، وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن ، وقد كان المراد منه أوّلا إظهار الجلد للكفار ، فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد ، سنة في حق من بعدهم . ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث ، وربما يزداد ضعفا بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر ، فان ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح ، مع فتور الشهوة الوجه الثاني السعي في محبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ورضاه ، بتكثير ما به مباهاته